نادية الفواز

نادية الفواز

قدود الموت الحلبية

كل شيء يتهاوى في “حلب” لقد فرض الموت لحنه الجنائزي على ياسمين الشام ومواسم بلحها وأزقتها وحاراتها العتيقة وتجاوز حنين القدود الحلبية التي توجتها لعصور طويلة عاصمة للموسيقى العربية إلى نضوج الوجع وحلول الخراب والدمار.
لم تعرف قدود حلب أنها ستكون مضطرة لتأليف مقطوعات الموت الجماعي وأن هذا اللحن سيخرج عفويا من أنين الثكالى وصمت الأرواح التي أطبقت عليها المنازل أن هذه الترانيم ستسكن أحجار الطرقات وأعمدة المباني المهدمة لتفرض صورة لمدينة أشباح عربية جديدة.
كل شيء تغير بفارق مسافة بعد السماء عن الأرض وبفارق بعد معاني الحياة عن الموت الذي صار يطبل ويخرج من كل مكان يطل من النوافذ ويتساقط كالمطر من عنان السماء تلك التي لا تعرف سوى الرحمة وبركات المطر فهل سمعت عن سماء تمطر جحيما أو ترمي حمما أو تغرق أبناءها بهدايا الموت الرديء؟ هذه التهم الموجهة إلى السماء باطلة فهي ليست مسؤولة عن جرائم البشر وتفننهم في إيجاد هوية للموت الذي يبرر نفسه دائما ويتركنا لصمت صدمته الأولى وصبر اللحظات الغابرة نضرب الكف بالكف ونحن لا نصدق أن ما يجري هو حقيقة وليس كابوسا عربيا يطارد أحلام الحياة وعيون الصغار التي لم تعد تفهم كيف تفسر وتستوعب حجم ألعاب الكبار وإشكاليات القوة والبطش وشريعة الغاب.
لم يستطع نزار قباني أن يقرأ في هذه المدينة سوى الحب عندما قال كل دروب الحب تؤدي إلى حلب لم يكن يعلم أن مدينة بأكملها ستعجز عن تفسير أسباب التحول بين الحب والحرب والموسيقى والشعر إلى مفارق الموت واجتثاث أرواح الأبرياء من عمق الحياة.
لم تعرف حلب التي يفيض الجرح منها أن مسلسل الموت طويل كطول ليالي الشتاء وأن قلة الحيلة العربية ستقف لتواسي هول الموت بالبكاء.
سامحينا يا سيدتي فوجعك أكبر من احتمال نشرات الأخبار وقوافي الشعراء وقصائد المرثيات العصماء سامحينا إذا كنت تقدرين على السماح كما قدرت على احتمال فاجعة السكوت الذي يأتي بعد عواصف الخوف والفزع وتقارير الأنباء التي حولت الإنسان إلى رقم يضاف إلى قوائم القتلى أو المصابين الرخيصة.
كل دروب الحياة تؤدي إلى روما وكل دروب الموت صارت تؤدي إلى حلب “هذا هو المعنى المختلف ما بين الدروب السحيقة التي هوت بسكان مدينة بأكملها إلى جحيم الموت وما بين عالم سيغرق بعد أيام في احتفاليات رأس السنة الجديدة ليثبت إنسانيته وتحضره وهو يرتدي بذلته السوداء الأنيقة ويضع وردة حمراء في عروة الجاكيت
بينما يموت أطفال حلب وسط ويلات الخرس المطبق وهو يرتب فوضى الدمار المبعثر في كل الزوايا ذلك الذي لا يعرف كيف يواسي أحدا وليس لديه أي استعداد لأن يبرر بطش آلة عسكرية أطاعت بطش الطغاة.

التعليقات (1):
  • د.عبدالإله بن سعود السعدون ٢٠١٦/١٢/١٦ - ٠٩:٣٥ ص

    وقفت كثيرا مع مفردات ومعاني المقال الفذ..لا أدري إن استمتع مع جمال الكلمات والجمل المصفوفة كعدو اللؤلؤ .أم أشعر بحرارة سيل الدموع المنهار من عيناي أنها مزيج اليأس والجبن العربي والبكاء على أطلال حب التي تهدم حضارة تاريخها العريق بمعدل السفاح الصغير نيرون عصرنا العربي ..مزج هذالمقال المميز كل الغضب على كل المفاهيم والمنظمات التي أوجدت سلاحا بيد القوى الخمسة في مجلس الأمن الذي نسى أمن وحرق حلب.بوركت أنامل كاتبة المقال.


© جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الشرق
للأعلى