عبدالله الشمري

عبدالله الشمري

قصيبيات (2-3)

من طريف ما ذكره القصيبي من مواقف ومشاهدات عن قمة فاس نقلًا عن الملك فهد – يرحمه الله – الذي أخبر الوفد المرافق له أنه في الاجتماع التمهيدي الذي حضره القادة وحدهم، اقترح الملك الحسن أن يقتصر حضور الجلسات على رئيس الوفد وعضوين فقط، وأن الرئيس الجيبوتي طلب من الملك فهد أن يشرح له المقصود، ولمَّا أوضح له المقصود من اقتراح الملك الحسن ردَّ الرئيس الجيبوتي بلكنته العربية المكسرة: اثنين وزير؟ أنا عندي أربعة! أنا فين أحط الباقي؟ حُطُّه في جيبي!.
وأوضح له الملك فهد أنه ليس هناك ضرورة لوضع الوزيرين في جيبه، وأن بإمكان الرئيس أن يختار أي عضوين يراهما ويترك الآخرين في مقر الإقامة، وعندما شعر الملك فهد أن الرئيس لم يستوعب كلَّ ما قاله، حاول أن يشرح له الوضع بالإنجليزية – ويستدرك القصيبي فيقول: كانت إنجليزية الملك فهد أفضل بالتأكيد من عربية الرئيس الجيبوتي – إلا أنه انتفض محتجًا وقال: إنت كلم إنجليزي ليه؟ أنا أربي زيّك! أنا أحكي أربي!
في الدورة الأولى من المؤتمر كان غضب الرئيس الجيبوتي يتزايد عندما تبين له أن المؤتمر لم يوافق على المشروع السعودي، وبدأ يهمهم ويدمدم كعادته، ثم قال موجها كلامه إلى الملك فهد: أنت اسكت! أنا أتكلم! أنا … أنا أسُبّهم كلهم! وبجهد جهيد استطاع الملك فهد إقناعه أن المشكلة لن تحلَّ بسبِّ قادة الأمة العربية كلهم!
تحدث القصيبي عن العقيد معمر القذافي، وعن كثير من النقاشات التي دارت بينه وبين الملك خالد – يرحمه الله – وبعض مرافقيه، يستدرك القصيبي – لو لم أكن جالسًا على مقربة من العقيد أستمع بأذنيَّ إلى كل كلمة قالها لما صدقت أنه يملك جرأة كهذه – يقول: جرنا الحديث إلى نظرية العقيد الثالثة وكتابه الأخضر: نظريتي – الحديث للقذافي – هي المستقبل، لا للعرب والمسلمين فحسب بل للعالم الثالث كلِّه وللبشرية كلِّها، لقد أفلست الشيوعية وانكشف إفلاسها، أفلست الرأسمالية وانكشف إفلاسها، لم يبق إلا النظرية الثالثة. الشيوعيون أصيبوا بذعر شديد عندما ظهر كتابي الأخضر، أدركوا، الماركسية مقضي عليها بالفناء، وأنها ستنتهي على يد نظريتي، ستثبت الأيام لكم ذلك.
يقول القصيبي: تذكرت الشعارات المأخوذة من الكتاب الأخضر التي تملأ كل ميدان وشارع في جماهيرية العقيد، «اللجان في كل مكان»، «البيت لساكنه»، «النظام النيابي تزييف انتخابي»، «في الحاجة تكمن الحرية»، أما أطرف هذه الشعارات على الإطلاق فكان شعار «لكل مركوب راكب» ويفسره القصيبي مستدركًا – بصرف النظر عن تأويلات الخبثاء من الرجعيين والرأسماليين – بقوله: لكل مواطن الحق في تملّك وسيلة المواصلات المناسبة!
في موضوع التقويم الهجري الذي غيره العقيد إلى وفاة الرسول – صلى الله عليه وسلم – يقول القصيبي إن القذافي شرح نظريته بقوله: في تاريخ كل إنسان حدثان رئيسان: ميلاده ووفاته. هذان هما أهم تاريخين وما عداهما لا يهمُّ كثيرًا، هجرة الرسول من مكة إلى المدينة حدث إقليمي بحت قد يهمكم أنتم في المملكة، ولكنه لا يهمُّ التاريخ، لا يهمُّ التاريخ إلا الميلاد والوفاة، ولقد أرخ المسيحيون بميلاد المسيح، فينبغي أن نخالفهم فنؤرخ بوفاة الرسول، وخطر للقصيبي وقتها أن نصف المتعلم أخطر من الجاهل!
يقول: كان العقيد لا يزال متشبثًا برأيه، ويتساءل: من الذي أرخَّ بالهجرة؟ هل هناك نص من القرآن؟ هل أمر به الرسول؟ إنه اجتهاد من عمر بن الخطاب.. مجرد اجتهاد.. وعمر بن الخطاب حاكم مسلم وأنا حاكم مسلم وله اجتهاده ولي اجتهادي!
ردَّ عليه الملك خالد: أنت مثل عمر بن الخطاب؟
بعد أن ساد الوجوم حسم العقيد القضية بقوله: «الأيام بيننا – سوف ترون – خلال عشر سنوات لن يكون هناك إنسان في العالم الإسلامي يأخذ بالتاريخ الهجري، سوف يتبع جميع المسلمين تقويمي».
في تغريدة قرأتها للدكتور ظافر الشهري، يقول:»يا أساتذة الجامعات، خذوا نموذج القصيبي – رحمه الله –، أبناؤنا وبناتنا الطلاب والطالبات فيهم خير كثير، اقتربوا منهم ستجدون فيهم ما يسر نفوسكم».
أنموذج القصيبي في قوله: «تجربتي الطويلة مع المدرسين علمتني أن للمدرس الناجح أربع صفات لا تفارقه، ولا يفارقها: الصفة الأولى هي عشق المادة التي يدرسها، والصفة الثانية هي محبة الطلاب الذين يدرسهم، والصفة الثالثة هي القدرة على التواصل، والصفة الرابعة هي التسامح الفكري».
وقفة: كم من الأشخاص – أنصاف المتعلمين – اليوم يشبهون العقيد في تصرفاتهم، ويرون أن لهم اجتهادًا كاجتهاد الصحابة!

التعليقات (1):
  • ابو أيمن ٢٠١٧/١/٢٧ - ٠٨:٢٥ ص

    البعض من القرّاء قد لا يهتم حتى بمجرد النظر الى الكتب التى تحمل اسم تأليف الوزير او صاحب المنصب العالى لأنة يشعر انة لا يستطيع التصريح بالكثير من الحقائق والاحداث ، بل ان البعض من الوزراء يتجنب حتى مجرد الحديث عن الفترة التى عمل فيها والتصق بعلية القوم ويرى ان ذلك يدخل ضمن اسرار الدولة التى لا يمكن التصريح بها فضلا عن أظهارها فى كتاب فيكون الشك والتوجس والريبة من اى حديث او موقف يتناول تلك الجوانب ، لعل الكاتب الكريم بإيراد فقرات من كتاب القصيبى اثبت عدم صدق ذلك فى جانب الوزير ، ولعل التاريخ الإسلامى سجل بعض الوزراء الذين تفوقوا فى مجال الكتابة والحكم وأظهروا جوانب من الحكمة والعبرة والعظة ، وليت البقية من الذين وصلوا الى مجلس الوزراء ان تفسح صدروهم لايصال الدروس والعبر والمواقف للآخرين وللأجيال القادمة


© جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الشرق
للأعلى