عبدالله الشمري

عبدالله الشمري

قصيبيات «3 - 3»

ويتذكر القصيبي المؤتمر الذي حضره مندوبون من مختلف أنحاء العالم لمناقشة الكتاب الأخضر، وأن صديقًا ليبيًا أخبره أن عشرات المدعوين من أساتذة جامعيين وصحفيين وكتَّاب قضوا أسبوعين يبحثون النظريات التي تضمنَّها الكتاب، وفي النهاية فاجأهم العقيد بزيارة من زياراته – بعد منتصف الليل – ليقول لهم إنهم في وادٍ والكتاب الأخضر في واد، وقال إنه من الآن فصاعدًا سوف يتولى شرح الكتاب بنفسه ولن يعتمد على أحد.
تحدث القصيبي بطرافة عن زيارة عيدي أمين – رئيس أوغندا – للمملكة عام 1981م بعد هزيمته في حربه مع تنزانيا التي استطاع رئيسها «نيريري» احتضان المعارضة الأوغندية، ولم تنفع عيدي أمين القوات الليبية التي أرسلها القذافي لمساعدته، يقول القصيبي: كان الملك خالد – يرحمه الله – في رحلة قنص، وكان الأمير فهد – يرحمه الله – في استقبال عيدي أمين، وعند اقتراب الطائرة الخاصة الصغيرة مزينة بصورة الرئيس بالزي العسكري، ولكن الرئيس فاجأ الجميع وأدهشهم بالزي الذي كان يرتديه، حتى أن الأمير فهد حوَّل وجهه بسرعة إلى القصيبي كي لا تظهر ضحكته في الصورة ولكي لا يراها الضيف!
يقول: كان عيدي أمين يرتدي زيًا غريبًا، عبارة عن منديل ضخم على رأسه أشبه ما يكون بفوطة الحمام، وفوق المنديل عقال من النوع الرخيص الذي يباع للسائحين، وثوب فضفاض لم ير الناس له مثيلًا، وفوق ذلك شيء ملون بألوان عجيبة يلف الثوب، ولعل أطرف ما في الأمر أن عيدي أمين جاء إلى المملكة وهو يظن أنه يرتدي الزي الوطني السعودي.
طلب الأمير فهد من أحد أمناء المراسم أن يحضر ثيابًا سعودية حقيقية لعيدي أمين، وقد استغرق البحث عنها بعض الوقت لحجمه الكبير، ويضيف القصيبي: عندما ظهر عيدي أمين يخطر بالثوب السعودي في مأدبة العشاء، سَرتْ إشاعة أن الثياب مستعارة مني، إلا أنها لم تكن صحيحة!
في المباحثات التي دارت على العشاء كان عيدي أمين يمسك بورقة وقلم ويخط بين الوقت والآخر، الأمر الذي يؤكد أن ما قيل عن أميته لم يكن صحيحًا، وبدأ يسرد مطالبه من المملكة: أريد أن تساعدني المملكة في ساعة الضيق، المملكة هي الصديق الحقيقي الوحيد لنا، لا تصدقوا ما يقال عن مساعدات القذافي لنا، القذافي أعطانا وعودًا فارغة وكلمات كاذبة، أتعرفون ما أعطانا القذافي؟!
يضيف القصيبي عن مطالب عيدي أمين: نحن الآن في وضع سيىء جدًا، في وضع لا يمكن وصفه، لا يوجد من ينقذنا سوى المملكة، نريد ألف مليون دولار بصفة عاجلة كمنحة من المملكة.
يقول القصيبي: ظل الأمير فهد هادئًا لا يظهر عليه أي انفعال، كان يصغي باهتمام، كانت المنحة أولى المطالب ولكنها لم تكن آخرها، فقد تبعها طلبه 12 طائرة عسكرية، ومائة دبابة، وعربات ميدان، ونقلها عبر جسر جوي، وتحدث عن أزمة الوقود ومعاناة الأوغنديين، وطلب قروضًا عديدة لإعادة تعمير البلاد.
يذكر القصيبي أن الأمير فهد ردَّ عليه بهدوء قائلًا: يا فخامة الرئيس .. أشكرك على ما أوضحته، والمملكة لن تتأخر في المساعدة، وجميع هذه الطلبات ستكون موضع الاهتمام من جلالة الملك ومن حكومته، وبلباقة، حوَّل الأمير دفة الحديث إلى اتجاه آخر بقوله: نريد أن نعرف يا فخامة الرئيس تصوراتك عن الأوضاع في منطقتك؟ لماذا سارت الأمور على هذا النحو؟ لماذا يحيط بك الأعداء من كل جانب؟
وجاء جواب عيدي أمين على الفور: لأنني مسلم، لا شيء غير ذلك، لأنني أدافع عن الإسلام، الشيوعيون يكرهونني لأنني مسلم، والاستعماريون يكرهونني لأنني مسلم، لا يوجد هناك أي سبب آخر.
يتحدث القصيبي عن عيدي أمين قائلًا: لا بد أن هناك شيئًا ما مكن هذا الرجل من القفز على السلطة والاحتفاظ بها قرابة عقد من الزمان، لا بد أن تكون لديه بعض المواهب، لا بد أن يكون هناك شيء من الدهاء السياسي أو الجاذبية الشخصية، لا أستطيع أن أقول إن الرجل يفتقر إلى هذا كله، كل ما أستطيع قوله إنني خلال الفترة القصيرة التي رافقته فيها فشلت في اكتشاف أي موهبة.
مما قاله القصيبي في آخر حديثه عنه: ثمة حقيقة مؤكدة يعرفها المحيطون به، وهي أنه خرج من أوغندا لا يملك قرشًا واحدًا، ولا حساب في بنك سويسري، هذا على الأقل شيء إيجابي لا بدَّ أن نذكره له.
وقفة: من قصيدة القصيبي: «مغالبة الآلام والليل» اخترت بيتين:
ذرفتْ أمسُ دَمعتي تَوبةً
ولمْ تَزلْ على خُدودي تَسيل
يا ليتني مَا زلتُ طِفلًا وفي
عَيني مَا زالَ جمالَ النَخيل

التعليقات (2):
  • عليان السفياني الثقفي ٢٠١٧/٢/٢ - ٠٦:١٩ ص

    لو عرف الحكام ان العدل اساس الملك لما احتاجوا الى كل هذه الجيوش والحراسات...داخل اوطانهم...الا من كان عنده عدو خارجي يتربص به....ابتسم

  • ابو أيمن ٢٠١٧/٢/٢ - ٠٦:٢١ ص

    رحم الله الرئيس الأوغندي المسلم عيدى أمين ، الذى عاش ايامه الاخيرة فى مدينة جدة كلاجىء سياسى ، وهى عادة هذة الدولة فى احتضان من يجور عليه الزمن وتقسوا عليه الأيام ، لعله الرئيس الوحيد الذى استطاع البعض ان يصافحه وهو يعيش فى فندق الرمال بجدة وهو يدخل احدى المطاعم الاندونيسية ، تعرض الرجل للكثير من السخرية والاستهزاء بعد ان فقد منصبة، ولعل أولها انه كان يتلقى الدعم من العدو الاسرائيلى وأنه كان يتم تجنيده واستخدامه عبر المخابرات والنساء فى اسرائيل ، ولعل اتجاه الرجل لاضفاء صبغة الاسلام على أوغندا جعل القلوب توغو ضدةً ، رحم الله الرئيس عيدى أمين الذى اسلم الروح فى المستشفى التخصصي بجدة


© جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الشرق
للأعلى