نادية الفواز

نادية الفواز

نبض لا يخرج عن التغطية

في وصف الحديث الساخر عن مجريات الأحداث التي سرعان ما تتحول إلى نكتة مضحكة مبكية لسان حالها القائل «شر البلية ما يضحك» يمكننا أن نرصد كماً هائلاً من الرسائل والعبارات التي كسرت قواعد مقص الرقيب وأسقف الحريات وبروتوكولات اللباقة وتنسيق العبارات، وانطلقت حرة لتعبر عما في الضمير والوجدان في تجاوز لهيبة الصحافة وسلطة القانون إلى إحداث حالة من التغيير الواعي الذي يقول «نعم إننا نفهم كل ما يجري، ونلتزم الصمت، ونعبر بطريقتنا الخاصة»، ولعل في التغيرات الجذرية التي نعيشها دوليا وعربيا ومحليا وحالة التحول الغريب التي شهدتها المجتمعات أدت إلى ظهور أشخاص جندوا أنفسهم لقراءة الواقع بطريقة مختلفة من التعبير، تلك التي تخرج من أروقة المقاهي الشعبية ومن منعطفات المنتديات ووسائل التواصل الاجتماعي للتعليق على الأحداث بطريقة تتشابه في حالة المشاكسة مع الكاريكاتير أحيانا، وإلى الأدب الساخر أحيانا، فمن آلام الشعوب الاجتماعية والسياسية والاقتصادية يبدأ «فعل السخرية» وينطلق حرا بمعالجة تصل حتما إلى الرقيب ومقصه، وإلى أذن السلطة الأولى والأخيرة التي تظل حائرة بين فكرة العقاب أو التغاضي، فهي تدرك أن هذا الحوار المختلف هو في كل من الأحوال حالة من التنفيس ووجه آخر للتعامل مع الأحزان أو الرغبة في الحرية والانطلاق والحديث عن تابو المحرمات أو الحوار حول أهداف معلنة وغير معلنة، وذلك باعتبار أن النكتة الحرة ذات طابع واضح وصادق، فهي تخرج دون مساحيق تجميل أو رتوش، فالحديث الساخر عن الفقر وعن التغيرات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية هو حديث «عابر للقارات» يصل إلى الأذهان بشكل قد يجعله يتفوق على أقوى المقالات المحبوكة، ويتجاوز حتى أهم التحليلات الاقتصادية والسياسية.
فهل يمكن أن يعاقب القانون على النكتة أو الحديث الساخر الذي يندلق كالماء بين شوارعنا للتعبير عن مشاعر مكبوتة أو منفعلة، ذلك الذي يمكن أن يتشابه مع الزوايا الحادة أحيانا ومع وخز الإبر أحيانا أخرى، ومع أشكال هلامية المعاني لا يمكنك سوى أن تزرع على وجهك ابتسامة، فقد قال فرديريك نيتشه «إن النكتة هي سخرية من موت الشعور»، في حين أسهب العالم النفسي سيجموند فرويد في كتابه «علاقة النكتة باللاشعور» بالحديث عن أنواع النكت ووظائفها المختلفة، وأثرها العميق وقدرتها على كشف الأفكار الحقيقية للإنسان دون قصد منهم، وقدرتها الأهم على «التنفيس» وتخفيف الضغط عن طريق إضحاك الناس، والسؤال هنا هو عن وجود قوانين صادرة بحق هذا الحديث الهامس بين الناس؟ يسمعونه ويبتسمون لكونه يمثلهم ثم يمضون إلى حياتهم بالنظر إلى هذه العبارات بأنها وسيلة من وسائل الحوار الصريح الذي يخرج عن جهة غير منضبطة مرتبطة بتشكيل الصورة الذهنية لدى الشعوب وهي حرب فكاهية ناعمة على كل ما يخرق سعادة الإنسان أو يلبي مطالبة أو يعمل على ترسيخ صورة نمطية عن الرجل والمرأة أو فئة من فئات المجتمع، فهي تأخذ أشكالا وأهدافا متعددة، وفي كل الأحوال فإن هذه الجمل التي سكنت نواصي الشوارع وعبرت إلى الأزقة وركضت في المدن هي لغة لا يمكن تجاهلها، وأعتقد أنها ظلت وستظل تحمل حالة من السلطة الخاصة والنبض الذي لا يمكن أن يخرج عن التغطية؛ لأنه يمس إنسانية الإنسان وكل ما يلامس حياته ومشاعره في لغة متداولة يصعب السيطرة عليها أو ضبطها أو منع تداولها؛ لأنها تعتبر أداة مجانية للحفاظ على الحد الأدنى من صحة الإنسان النفسية.

التعليقات (1):
  • د.عبدالإله بن سعود السعدون ٢٠١٧/٣/٣١ - ٠١:٢٢ م

    يذكرني هذا المقال الجميل بكتابات الأستاذ الدكتور علي الوردي وكان كاتبا عميق السخرية اجتماعيا"يمزج السخرية بالنكته كوسيلة للأتفاف عن حدة ✂ الرقيب وقد قال إن النكته وليدة الشعور بالألم النفسي ومتى تعبر النكته عن مآسي المجتمع والقصور في تلاحم وقوته ..الانسان وليد مجتمعه وعاداته وبين المرح والنكتة مسافة طويله في رفاه المجتمع...كتبت الكاتبه فابدعت في وصف النكته وعلاقتها بالوضع المجمعي. .


© جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الشرق
للأعلى