القيادة وقت الأزمات: خطوات عملية لاتخاذ قرار سريع وواضح
القيادة وقت الأزمات ليست استعراضًا للقوة ولا سباقًا لإصدار قرارات كثيرة. في الأزمات، الفريق يحتاج شيئًا واحدًا أكثر من أي شيء: قرار سريع وواضح يقلل الضبابية حتى لو لم يكن “مثاليًا”. التأخير يضاعف الخسائر، وكثرة الآراء بلا إطار تستهلك الوقت وتزيد التوتر. لذلك، هدفك الأول كقائد هو تقليل الفوضى عبر منهج عملي لاتخاذ قرار قابل للتنفيذ فورًا.
ابدأ بـ تحديد نوع الأزمة خلال 10 دقائق. اسأل: هل الأزمة “تشغيلية” (تعطل خدمة/تأخير تسليم)، أم “سمعة” (خبر سلبي/شكوى عامة)، أم “مالية” (نزيف تكلفة/انقطاع إيراد)، أم “قانونية/امتثال”؟ التصنيف مهم لأنه يحدد من يجب أن يكون في غرفة القرار وما هي أولوياتك. ثم ضع تعريفًا بسيطًا للمشكلة في سطر واحد: ما الذي حدث؟ متى؟ وما أثره المباشر؟ إذا لم تستطع كتابة سطر واحد، فهذا يعني أن الفريق ما زال يتحدث عن أعراض وليس أصل المشكلة.
بعد ذلك، ركّز على جمع الحد الأدنى من البيانات بدل محاولة معرفة كل شيء. كثير من القادة يقعون في فخ “نحتاج معلومات أكثر” فيتأخر القرار حتى تتسع الأزمة. استخدم قاعدة 80/20: ما هي 3 معلومات فقط لو عرفناها الآن ستغيّر قرارنا؟ مثال: حجم التأثير (كم عميل؟)، الزمن (منذ متى؟)، والسبب المرجح (تقني/بشري/مورد). حدد مهلة قصيرة لجمعها (15–30 دقيقة)، ثم اتخذ القرار بناءً على ما توفر. في الأزمات، الكمال غالبًا يأتي متأخرًا.
ثم انتقل إلى تحديد الهدف الأولي: هل هدفنا “إيقاف النزيف” أم “استعادة الخدمة” أم “حماية السمعة” أم “منع تكرار المشكلة”؟ لا تحاول تحقيق كل شيء بنفس اللحظة. القرار السريع يكون قويًا عندما يكون له هدف واحد واضح في المرحلة الأولى. عادةً، الترتيب الأفضل هو: السلامة والامتثال أولًا، ثم إيقاف النزيف، ثم الاستعادة، ثم التحسينات. هذا التسلسل يمنعك من القفز مباشرة إلى حلول طويلة بينما الحريق ما زال مشتعلًا.
الخطوة العملية التالية هي بناء 3 خيارات فقط، لا أكثر. كثرة الخيارات تربك وتؤخر. اكتب الخيارات بصيغة واضحة:
- خيار سريع (حل مؤقت) يقلل الأثر الآن.
- خيار متوازن (حل متوسط) يثبت الوضع خلال ساعات/يوم.
- خيار جذري (حل نهائي) يمنع التكرار لكنه يحتاج وقتًا.
لكل خيار، اكتب في سطرين: الفائدة، المخاطر، الزمن، ومن يملك التنفيذ. ثم اختر الخيار الذي يحقق الهدف الأولي بأقل مخاطر ممكنة. إذا كانت المخاطر عالية، اتخذ القرار مع “حاجز أمان”: تنفيذ على مراحل، أو إطلاق محدود، أو فحص سريع قبل التوسعة.
كي يكون قرارك واضحًا فعلاً، طبّق قاعدة “من يقرر؟ من ينفذ؟”. في الأزمات، لا بد من تحديد صاحب قرار واحد (Decision Owner) وصاحب تنفيذ واحد لكل مسار. لا تترك القرار معلقًا بين عدة مدراء. وضّح أيضًا نقطة مهمة: من يملك حق الإيقاف أو التراجع إذا ظهرت إشارات خطر. هذا يمنع التصادم ويزيد سرعة التنفيذ بدون تهور.
بعد اتخاذ القرار، تأتي أهم لحظة: صياغة القرار في رسالة قصيرة لا تحتمل التأويل. استخدم قالبًا بسيطًا من 6 أسطر:
- القرار: ماذا سنفعل الآن؟
- السبب: لماذا اخترنا هذا الخيار؟
- النطاق: من المتأثر؟ وما الذي لن نلمسه الآن؟
- المسؤول: من يقود التنفيذ؟
- التوقيت: متى أول تحديث؟ متى نعيد التقييم؟
- المخاطر: ما الذي نراقبه؟ ومتى نتراجع؟
هذه الرسالة تُرسل للفريق المعني فورًا، ثم تُكرر بنفس الصياغة على أصحاب العلاقة. اتساق الرسالة يقلل الإشاعات ويهدئ التوتر.
ولا تنسَ إيقاع التحديثات. الأزمة تتضخم نفسيًا عندما يغيب التحديث. اجعل تحديثًا ثابتًا كل 30–60 دقيقة حسب حجم الأزمة، حتى لو لم يوجد جديد كبير. التحديث القصير يطمئن الفريق ويُظهر أن الأمور تحت السيطرة. ويمنع “تحديثات مشتتة” من عدة أشخاص، لأنها تخلق روايات مختلفة.
أخيرًا، بعد أن تستقر الأزمة، انتقل لمرحلة “ما بعد القرار” بسرعة: مراجعة مختصرة خلال 24–72 ساعة. ليس جلسة لوم، بل توثيق تعلم: ما السبب الجذري؟ ما الإجراء الذي يمنع التكرار؟ ما التغيير في النظام/الإجراءات؟ وما المؤشر الذي سنراقبه؟ تحويل الأزمة إلى درس عملي هو ما يميز قيادة محترفة عن إدارة طوارئ متكررة.
الخلاصة: القرار السريع والواضح في الأزمات لا يعني التسرع، بل يعني تقليل الضبابية بمنهج بسيط: تصنيف الأزمة، جمع الحد الأدنى من البيانات، هدف واحد للمرحلة الأولى، 3 خيارات فقط، صاحب قرار واحد، رسالة قرار قصيرة، تحديثات منتظمة، ثم مراجعة تعلم. بهذه الخطوات، ستقود بثبات… وتمنح فريقك شعورًا بالأمان حتى في أصعب اللحظات.